سيد محمد طنطاوي
194
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : من كان دائم الكذب على دين اللَّه ، شديد الجحود لآيات اللَّه وبراهينه الدالة على وحدانيته ، وعلى أنه لا رب لهذا الكون سواه . ثم أبطل - سبحانه - كل تصور للشرك والشركاء ، بأن نزه - تعالى - ذاته عن اتخاذ الولد فقال : * ( لَوْ أَرادَ اللَّه أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، سُبْحانَه هُوَ اللَّه الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) * . أي : لو أراد اللَّه - تعالى - على سبيل الفرض والتقدير - أن يتخذ ولدا ، لاختار من خلقه ما يريده هو ، لا ما يريده الضالون ، لكنه - سبحانه - لم يختر أحدا ليكون ولدا له ، فدل ذلك على بطلان زعم الزاعمين بأن الملائكة بنات اللَّه ، أو بأن عزيرا ابن اللَّه ، أو بأن المسيح ابن اللَّه . * ( سُبْحانَه هُوَ اللَّه الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) * أي : تنزه - عز وجل - عن كل شيء من ذلك ، فإنه هو اللَّه الواحد في ذاته وفي صفاته ، القهار لكل مخلوقاته . قال الإمام ابن كثير : بيّن - تعالى - في هذه الآية أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة ، والمعاندون من اليهود والنصارى في العزيز وعيسى فقال : * ( لَوْ أَرادَ اللَّه أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ) * أي . لكان الأمر على خلاف ما يزعمون . وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه ، بل هو محال ، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه ، كما قال : لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناه مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ وكما قال : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ . كل هذا من باب الشرط ، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم « 1 » . وقال بعض العلماء ما ملخصه : إرادة اتخاذ الولد هنا ممتنعة ، لأن الإرادة لا تتعلق إلا بالممكنات ، واتخاذ الولد محال ، كما ثبت بالبرهان القطعي فتستحيل إرادته . وجعلها في الآية شرطا وتعليق الجواب عليها ، لا يقتضى إمكانها فضلا عن وقوعها ، وقد عرف في فصيح الكلام : تعليق المحال على المحال جوازا ووقوعا . على أن الوالدية تقتضي التجانس بين الوالد والولد . إذ هو قطعة منه . وقد ثبت أن كل ما عداه - سبحانه - مخلوق له . فيلزم بموجب التجانس أن يكون المخلوق من جنس الخالق ، وهو يستلزم حدوث الخالق ، أو قدم المخلوق ، وكلاهما محال « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 75 . ( 2 ) صفوة البيان ج 2 ص 249 لفضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف .